تساؤلات حول حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \”إذا سمع أحدكم النداءَ والإناءُ على يده، فلا يضعه حتى يقضيَ حاجته منه\”.

بداية ما قرأت هذا الحديث تبادر في ذهني الحنفية التى اتسم بها هذه الشريعة السمحة. وأنها حين تكلف الناس بالصيام , ليس الغرض منه منعهم عن المباحات لهم في الأصل فحسب . و إنما الغاية منه أسمى وأجل من أن يقارن به. ومما يدلني على ذلك هذه الررخصة التي قد جعلها الشارع لمن نوى الصوم و قد رفع الماء أو الطعام إلى فيه ليشرب منه أو يأكل في السحور و تعلقت به نفسه, فإذا المؤذن قد أذن ؛ عندئذ قال من لا ينطق عن الهوى وقد أعطي بجوامع الكلم الواضح الذي لا شبهة فيه ولا تقعيد ؛ \”إذا سمع أحدكم النداءَ والإناءُ على يده، فلا يضعه حتى يقضيَ حاجته منه\”. وزاد في رواية \”وكانوا يؤذنون إذا بزغ الفجر\” أي إذا طلع.

وفيما يلي أورد بعضا من كلام أهل العلم ما زادني يقينا على صحة هذا الذي تبادر في ذهني عسى أن أكون من الموفقين في ذلك أو أجد من يرشدني و يزيل عني الشبهة إن أخطأت في ذلك سبيلا . وما أورد هذا التساؤل إلا لقرب مجيء ضيف عظيم رمضان مبارك وقد كثر التساؤل حول الحديث. عسى أن يبلغنا الله إليه وأن يوفقنا فيه بصالح الأعمال. وبعد,

قبل الشروع في ذكر كلام بعض العلماء فيما سبقت الاشارة إليه , فهناك من العلماء أيضا من يحاول تأويل الحديث –حديث أبي هريرة- بإحدى التأويلات الآتية ؛

1. تأويل النداء المذكور في حديث أبي هريرة بالنداء الأول, لقوله صلى الله عليه وسلم \”إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم\”.

2. تأويل الحديث بأن يحمل على من يسمع الأذان وهو لم يتيقن طلوع الفجر ، فله أن يأكل حتى يتيقن . وكذا لو علم أن المؤذن يؤذن قبل الوقت ، أو شك أنه يؤذن في الوقت أو قبله ، فله أن يأكل حتى يتيقن. ومما يقال في هذا قولهم؛ إن حديث أبي هريرة محمول عند عوام أهل العلم على أنه صلى الله عليه وسلم علم أنه ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبيل طلوع الفجر . وقوله ( إذا بزغ ) يحتمل أن يكون من كلام من دون أبي هريرة ، أو يكون خبراً عن الأذان الثاني , ويكون قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ ) خبراً عن النداء الأول ، ليكون موافقا لحديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم؛ \”إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم\” . قالوا : وعلى هذا تتفق الأخبار.\”

فعلى هذه التأويلات قالوا ؛ من تيقن طلوع الفجر الصادق لزمه الإمساك ، وإن كان في فمه طعام لزمه أن يلفظه ، فإن لم يفعل فسد صومه.

أما ما ورد من كلام العلماء مؤيدا لما تبادر في ذهني , فمنها ؛

1) ما جاء في مجالس رمضانية [ص 9] للشيخ أحمد عبد الرحمن الكوس مع التقديم والمراجعة من الشيخ محمد الحمود النجدي ؛

إذا تبين للصائم ذلك –طلوع الفجر- فليمسك عن الأكل والشراب، وإذا كان في يده كأس من ماء فيجوز له أن يشربه لأنها رخصة من الله تعالي ولو سمع الأذان. لقوله صلى الله عليه وسلم :\” إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه\” ( صحيح أبو داود للألباني 2/447 ورواه الحاكم وأحمد). والمقصود بالنداء آذان الفجر الثاني للفجر الصادق , بدليل الزيادة التي رواها أحمد وابن جرير عقب الحديث :\” وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر\”.

2) جاء في طلائع السلوان في مَواعظِ رَمَضان بتقريظ فضيلة الشيخ العلامة محمد بن حسن الشنقيطي [ص 170] لـ حمزة بن فايع بن إبراهيم الفتحي؛

يجب على الصائم الإمساك عن الطعام والشراب إذا استبان طلوع الفجر ، ولا عبرة بتوقيت المؤذن لأنه قد يتقدّم أو يتأخر ، إلا إذا كان المؤذن أميناً يقظاً حريصاً على إصابة أول الوقت فحينئذٍ يوثَق به ويُعتمد ، قال صلى الله عليه وسلم : (المؤذَنون أمَناء المسلمين على فطرهم وسحورهم) وقد ذكره الشيخ المحدث الألباني ـ وفقه الله ـ في صحيح الجامع(432) وهو حديث حسن أخرجه الطبراني عن أبي محذوره .

وفي هذه الأيام درجَ المؤذّنون لا سيما في المدن على اعتبار التقويم التي تحدد مواقيت الصلاة ، فهذه ليست قاطعة في دخول الوقت لكنها تقريبية فلا حرج لو أكل الإنسان مع المؤذّن الجاري على هذه التقاويم إلى دقيقة أو دقيقتين . وهنا حديث رواه أبو داود في سننه وهو صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا سمع أحُدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) (433) ، وهو مما تنازع العلماء في تحرير معناه ؛

فقد قال أبو بكر البيهقي رحمه الله : هو محمول عند عوام أهل العلم أنه صلى الله عليه وسلم علم أن المنادي كان ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبيل طلوع الفجر انتهى(434).

وقال بعضهم : هذا إذا لم يعلم طلوع الصبح ، أما إذا علم أنه قد طلع أو شكّ فيه فلا ،

وقيل : إنه محمول على قول من اعتبر في المنع عن الأكل والشرب تبيُّن الفجر لا طلوعه .

وألمح بعضهم إلى أن هذا رخصة وتيسير من الله ورسوله ، وهذا اختيار الشيخ المحدث أحمد شاكر ـ رحمه الله ـ فقد صحح الحديث في تعليقه على المسند وفيه زيادة مهمة توهن ما قاله البيهقي وهي : \”وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر\”.

3) جاء في جواب الشيخ محمد العثيمين –رحمه الله- (جلسات رمضانية [1 /83]) عند السؤال؛

هل يمكن أن نوجه دلالة الحديث الذي أخرجه أحمد و أبو داود وغيرهما بسند صحيح من رواية أبي هريرة مرفوعاً: (إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) زاد أحمد وغيره بسند صحيح على شرط مسلم : (وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر) هل يمكن أن يوجَّه الحديث على ما إذا أذن المؤذن في بداية بزوغ الفجر، فإن الله قد أرخص له، إذا كان على هذه الصفة، وهو إذا رفعه إلى فيه؟

الجواب: نعم، أنا عندي أن هذا الحديث موجَّه على أحد وجهين:

الوجه الأول: إما أن يكون المؤذن يؤذن بالتحري، والذي يؤذن بالتحري قد يصيب وقد لا يصيب، كالمؤذنين عندنا الآن.

والوجه الثاني: أن يكون ذلك بالتأذين من المؤذن عن يقين، ومشاهدته للفجر؛ ولكن هذا من باب الرخصة، لما كان الإنسان رفع الماء ليشرب، تعلقت به نفسه، ولهذا لو كان في الأرض لا تحمله، لا ترفعه من الأرض، بل لابد أن يكون في يدك، وإلاَّ كانت النفس قد تعلقت بهذا الماء الذي رفعه، كان من رحمة الله عزَّ وجلَّ أن يقضي الإنسان نهمته منه، كما لو حضر الطعام والإمام يصلي فإنك تأكل من الطعام، ولو فاتتك الصلاة، فتُسقط بذلك واجباً؛ لأن نفسك متعلقة بهذا الطعام الذي قُدِّم بين يديك. فالحديث لا يخرج عن أحد هذين الوجهين.

5) قال الشيخ محمد ناصرالدين الألباني –رحمه الله- في تعليقه على فقه السنة, عند قول المؤلف –رحمه الله- ؛ \”ومن ( مباحات الصيام ) قوله تحت هذا العنوان : \” . . فإذا طلع الفجر وفي فمه طعام وجب عليه أن يلفظه . . \” إهـ , قال ؛

قلت : هذا تقليد لبعض الكتب الفقهية وهو مما لا دليل عليه في السنة المحمدية بل هو مخالف لقوله صلى الله عليه و سلم : \” إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه \”. أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه هو والذهبي. وأخرجه ابن حزم وزاد : \” قال عمار ( يعني : ابن أبي عمار راويه عن أبي هريرة ) : وكانوا يؤذنون إذا بزغ الفجر.\”. قال حماد ( يعني : ابن سلمة ) عن هشام بن عروة : كان أبي يفتي بهذا. وإسناده صحيح على شرط مسلم . وله شواهد ذكرتها في \” التعليقات الجياد \” ثم في \” الصحيحة \” ( 1394 ). وفيه دليل على أن من طلع عليه الفجر وإناء الطعام أو الشراب على يده أنه يجوز له أن لا يضعه حتى يأخذ حاجته منه فهذه الصورة مستثناة من الآية : ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) , فلا تعارض بينها وما في معناها من الأحاديث وبين هذا الحديث ولا إجماع يعارضه. بل ذهب جماعة من الصحابة وغيرهم إلى أكثر مما أفاده الحديث وهو جواز السحور إلى أن يتضح الفجر وينتشر البياض في الطرق راجع \” الفتح ( 4 / 109 – 110 ). لأن من فوائد هذا الحديث إبطال بدعة الإمساك قبل الفجر بنحو ربع ساعة ؟ , لأنهم إنما يفعلون ذلك خشية أن يدركهم أذان الفجر وهم يتسحرون ولو علموا هذه الرخصة لما وقعوا في تلك البدعة. فتأمل. تمام المنة [ص417- 418]

6) جاء أيضا من كلام الشيخ ناصرالدين الألباني في دروس للشيخ الألباني [26 /13]؛

لو افترضنا أن هذا الأذان الثاني يؤذنه المؤذنون في الوقت الصحيح -في الفجر الصادق- تأتي هذه الرخصة الكريمة، حيث قال عليه الصلاة والسلام: ( إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه ) (إذا سمع أحدكم النداء) أي: النداء الثاني، أما الأول فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ، أما الأذان الثاني فتأخذ حاجتك[1]: ( إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يأخذ حاجته منه )، ففي هذا رخصة أن يستمر الصائم في الطعام حتى يأخذ حاجته، لكن لا يأتِ على التسلية، لا يجلس -مثلاً- يتفكه، أو (يفصفص) بحجة: ( حتى يقضي حاجته منه ) فإن هذا ليس مما له فيه حاجة، إنما هذا من باب التسلية، والحديث صريح: ( إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده -الذي يأكل أو يشرب منه- فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه ).

7) جاء في شرح سنن أبي داود – عبدالمحسن العباد [ص 2] ما نصه ؛

باب في الرجل يسمع النداء والإناء على يده، يعني: يسمع أذان الصبح والإناء على يده، أي: ماذا يصنع؟, هل يشرب ويكمل الشرب أو ينزع ويترك؟.

والجواب: أنه إذا كان المؤذن الذي يؤذن يعتمد عليه في معرفة الوقت فإن الإنسان إذا كان قد بدأ يشرب فإنه يكمل الشرب، ولكنه لا يبدأ بعد الأذان، وكونه عندما يسمع الأذان يبادر ويذهب ليشرب لا يجوز له ذلك؛ لأن الأذان حصل بعد دخول الوقت، وإذا دخل وقت الفجر فإنه يمنع الأكل ويبيح الصلاة، أي: صلاة الفجر؛ لأنه جاء وقتها، والأكل ذهب وقته في حق من يريد أن يصوم. فمن أذن المؤذن وهو يشرب فإنه يكمل الشرب، وإذا كان لم يبدأ فإنه لا يجوز له، وهذه المسألة من ضمن المسائل التي يقال فيها: يجوزفيالاستدامةمالايجوزفيالابتداء، يعني: أن الإنسان لا يجوز له أن يبدأ الشرب، ولكنه إذا كان قد بدأ يكمل، وليس معناه أن الذي في فمه يقذفه ولا يشرب، بل يبلع الذي في فمه ويكمل أيضاً؛ لأن الذي جاء عنه التحديد جاء عنه استثناء هذه الحالة، فيجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء.

هذا ما تيسر لي نقله من كلام أهل العلم في المسألة جزاهم الله خيرا . عسى الله أن يوفقنا جميعا لما فيه رضاه ورحمته. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. والحمد لله رب العالمين.


[1] هذا فيه رد على من حاول حمل حديث أبي هريرة إلى قوله صلى الله عليه وسلم \”وكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم\” لأن هذا الكلام يفارقه ظاهرا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة ؛ \”فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه\”؛ فهذا المقام مقلم الرخصة , أما الأول فالأصل الإباحة. فمثل هذا التأويل فيه نوع من التكلف -فيما يبدو- , لا سيما قد وردت الزيادة وهي ؛ \” وكانوا يؤذنون إذا بزغ الفجر.\”.

1 thought on “تساؤلات حول حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \”إذا سمع أحدكم النداءَ والإناءُ على يده، فلا يضعه حتى يقضيَ حاجته منه\”.”

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top

Kegiatan Perkuliahan
3 Maret 2026

Silakan menyimak lanjutan penjelasan mengenai “Dunia Islam di Masa Keemasan” melalui tautan YouTube ini.

Setelah menyimak materi tersebut, lakukan analisis dengan menjawab pertanyaan berikut:

  1. Apa saja faktor-faktor yang menjadi penyebab kebangkitan dunia Islam pada tiga masa keemasan tersebut?
  2. Apa saja faktor-faktor yang menyebabkan kemunduran dunia Islam pada masing-masing masa tersebut?

Untuk mempertajam analisis, silakan membaca kembali materi perkuliahan sebelumnya sebagai bahan pendukung.

Tuliskan hasil analisis Anda pada kolom komentar YouTube dari video yang telah disimak!
Jangan lupa mencantumkan inisial nama di bagian akhir komentar.