Link to downloade http://www.ziddu.com/download/7726553/qiyas1.pdf.html
من الأصول في استنباط الحكم الشرعي كما هو معروف هو القياس, فما هو القياس ؟
تعريف القياس[1]
القياس في اللغة التقدير ومنه قست الثوب بالذراع إذا قدرته و قاس الجراحة إذا جعل فيها الميل[2] يقدرها به ليعرف غورها أي عمقها. وهو في الشرع ورد بعدة تعاريف متقاربة بعضها عن بعض؛
- · فمنهم من قال إنه حمل (المجتهد) فرع (أي محل لم ينص عليه) على أصل (محل قد نص عليه) في حكم (أي في حكم الأصل) بجامع بينهما (أي علة يثبت بها المساواة بين الأصل والفرع يصح بها القياس).
- · وقيل حكمك على الفرع بمثل ما حكمت به في الأصل لاشتراكهما في العلة المقتضية للحكم في الأصل. مثال ذلك؛ قياس الأرز على البر في تحريم الربا. تطبيقه حسب التعريف: حكمك على الفرع (الأرز) بمثل ما حكمت به في الأصل (البر والحكم فيه تحريم الربا) لاشتراكهما في العلة المقتضية (كونهما مكيلا) للحكم في الأصل (وهو تحريم الربا فيه كما تقدم).
- · وقيل حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بجامع بينهما من إثبات حكم أو صفة لهما أو نفيهما عنهما.
ومعاني هذه الحدود كما تقدم متقاربة. ومن العلماء من يعرف القياس بأنه الاجتهاد. وهذا التعريف خطأ لأسباب هي؛
· إن الاجتهاد قد يكون بالنظر في العمومات وسائر طرق الأدلة وليس بقياس. فالاجتهاد ليس قاصرا على القياس بل قد يكون أيضا في حمل العام على الخاص و المطلق على المقيد وهكذا.
· ثم إن الاجتهاد لا يكون في العرف إلا عن بذل الجهد إذ من حمل خردلة وهي الحبة الصغيرة لا يقال اجتهد. أما القياس فقد يكون جليا لا يحتاج إلى استفراغ الجهد وبذل الوسع.
· ولا بد في كل قياس من أصل وفرع وعلة وحكم بخلاف الاجتهاد.
إثبات القياس على منكريه
التعبد بالقياس جائز عقلا وواقع شرعاً عند الجمهور. واستدلوا لإثباته بأدلة كثيرة منها:
1- قوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [الحشر : 2]. والاعتبار من العبور وهو الانتقال من شيء إلى آخر والقياس فيه انتقال بالحكم من الأصل إلى الفرع فيكون مأموراً به.
2- تصويب النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي اللّه عنه حين قال: إنه يجتهد حيث لا كتاب ولا سنة, والقياس من الاجتهاد كما تقدم إذ هو إلحاق حكم الفرع على الأصل.
3- قوله صلى الله عليه وسلم للخثعميه حين سألته عن الحج عن الوالدين \”أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه \”. قالت: نعم. قال: \”فدين اللّه أحق أن يقضى\” فهذا نوع من القياس.
4- قوله صلى الله عليه وسلم لعمر حين سأله عن القبلة \” للصائم \” أرأيت لو تمضمضت؟. فهو قياس للقبلة على المضمضة.
أركان القياس وتعريف كل ركن
ظهر لنا من تعريف القياس السابق أنه لابد فيه من أربعة أركان هي:
1- أصل مقيس عليه، وهو المحل الذي ثبت حكمه وألحق به غيره كالخمر ثبت لها التحريم وألحق بها النبيذ.
2- فرع ملحق بالأصل، وهو في اللغة ما تولد من غيره وانبنى عليه. وفي اصطلاح الأصوليين: المحل المطلوب إلحاقه بغيره في الحكم ؛ كالنبيذ طلب إلحاقه بالخمر في حكمها وهو التحريم.
3- علة تجمع بين الأصل والفرع، وهي المعنى المشترك بين الأصل والفرع المقتضي إثبات الحكم, كالإسكار المستدعي إلحاق النبيذ بالخمر في حكم التحريم. وتسمى كذلك بـ الجامع والمناط و المقتضي.
4- الحكم الثابت للأصل المقيس عليه ؛ وهو الأمر المقصود إلحاق الفرع بالأصل فيه كالقصاص أُثبِت في القتل بالمثقل إلحاقاً له بالقتل بالمحدد.
شروط القياس
وللقياس شروط يجب توافرها فيه ليكون القياس صحيحا. فهذه الشروط هي:
أولاً: شروط الأصل:
1- يشترط في الأصل الذي هو المقيس عليه أن يكون الحكم فيه ثابتاً بنص أو إجماع أو اتفاق الخصمين.
2- أن لا يكون معدولاً به عن قاعدة عامة مثل بيع العرايا[3] لأن الحكم في القياس مطرد والخارج عن القاعدة العامة ليسِ مطرداً خلافاً لمن يجيز القياس في الرخص فيجوز عندهم العرية في العنب والتين قياساَ على الرطب. والصحيح أن جواز بيع العرايا من المستثناة فلا يصح جعله عمدة أو أصلا في القياس.
ثانياً: شروط الفرع :
1- وجود علة الأصل فيه لأنها مناط تعدية الحكم إليه.
2- أن لا يكون منصوصاً على حكمه، فإن كان منصوصا لم يحتج إلى قياسه على غيره.
ثالثاً: شروط حكم الأصلِ ؛
1- أن يكون الفرع مساوياَ له في الأصل كقياس الأرز على البر في تحريم الربا فإن كان الحكم في الفرع أزيد منه في الأصل أو أنقص لم يصح القياس؛ كأن يكون حكم الأصل الوجوب وحكم الفرع الندب أو العكس. فلا يصح مثلا إلحاق صوم سنة على صوم مفروض في وجوب عقد النية لأن الأول واجب والثاني ليس بواجب.
2- أن يكون الحكم شرعياً ؛ لا عقلياً. أما لو كان الحكم عقليا, فلا يثبت القياس بذلك, لأنه يطلب في القياس اليقين والعقل إنما يفيد الظن.
رابعاً: شروط العلة ؛
1- أن تكون العلة متعدية فإن كانت قاصرة على محلها امتنع القياس بها لعدم تعديها إلى الفرع. فلا يصح بناء على ذلك القياس في الأمور التعبدية, لأن العلة فيها ليست متعدية. ولا يصح كذلك قياس قبور المؤمنين بقبرين مر بهما النبي صلى الله عليه و سلم, فقال : ( إن هذين يعذبان في غير كبير : في النميمة والبول ثم دعا بجريدة فكسرها فوصلها عليهما, وقال : ( عسى أن يخفف عنهما ما لم ييبسا )؛ لا يصح قياس هذا بذاك في وضع الجريدة أو الزهور عليها, لأن هذا حادثة عين بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يفعل هذا الفعل في قبور غيرهما ولا صحابته بعده.
2- أن تكون العلة مضطردة كالإِسكار فكلما وجد الإِسكار في شيء وجد التحريم فيه، وكالطعم والكيل فكلما وجد الكيل أو الطعم في شيء حرم الربا فيه. أما إذا تخلفت العلة عن الحكم فلا يخلوا هذا التخلف من أمرين؛
v إما أن يكون التخلف لمانع فلا تبطل كما لوِ قيل القتل العمد العدوان علة للقصاص وقد تخلفت في قتل الوالد لولده عمداَ عدواناً إذ أنه لا يقتل الأب به. فيقال إنها تخلفت لمانع هو الأبوة فلا تبطل في غير الأب, وتكون المسألة من المستثناة؛ فكلما وجد القتل العمد العدوان من غير الأب ونحوه وجب القصاص.
v وإما أن يكون التخلف من غير مانع فلا يصح التعليل بها, كما لو قيل: تجب الزكاة في المواشي قياساً على الأموال بجامع دفع حاجة الفقير. فيقال إن التعليل بدفع حاجة الفقير قد تخلف عنها الحكم في الجواهر مثلا. فالعلة إذن ليست مضطردة فيبطل بسببه القياس.
فصل في العلة
ونعني بالعلة مناط الحكم أي السبب لماذا يحكم على فعل فلاني بحكم فلاني. وسميت علة لأنها غيرت حال المحل أي إن الشيء تغير حكمه بسبب وجودها. وهذا مأخوذ من علة المريض لأنها اقتضت تغير حاله.
والاجتهاد في العلة على ثلاثة أضرب:
1) تحقيق المناط للحكم
2) وتنقيحه
3) وتخريجه
أما تحقيق المناط فنوعان؛
v أولهما لا نعرف في جوازه خلافا ومعناه أن تكون القاعدة الكلية متفقا عليها أو منصوصا عليها ويجتهد القائس في تحقيقها في الفرع. ومثاله قولنا في حمار الوحش بقرة لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) [المائدة/95] فنقول المثل واجب والبقرة مثل فتكون هي الواجب فالأول معلوم بالنص والإجماع وهو وجوب المثلية أما تحقيق المثلية في البقرة فمعلوم بنوع من الاجتهاد. ومنه الاجتهاد في القِبْلة؛ فنقول وجوب التوجه إلى القبلة معلوم بالنص أما أن هذه جهة القبلة فيعلم بالاجتهاد. وكذلك تعيين الأمام والعدل ومقدار الكفايات في النفقات ونحوه, فليعبر عن هذا بتحقيق المناط إذ كان معلوما لكن تعذر معرفة وجوده في آحاد الصور فاستدل عليه بأمارات.
v الثاني ما عرف علة الحكم فيه بنص أو إجماع فيبين المجتهد وجودها في الفرع باجتهاده مثل قول النبي صلى الله عليه و سلم في الهر إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات. جعل الطواف علة فبين المجتهد باجتهاده الطواف في الحشرات من الفأرة وغيرها ليلحقها بالهر في الطهارة فهذا قياس جلي قد أقر به جماعة ممن ينكر القياس.
وأما النوع الأول عن تحقيق المناط فليس ذلك قياسا, لأمور؛
v إن هذا متفق عليه والقياس مختلف فيه
v إن هذا من ضرورة كل شريعة لأن التنصيص على عدالة كل شخص وقدر كفاية الأشخاص لا يوجد.
v الأول لا يحتاج إلى الأصل ولا العلة. فأصل الحكم الذي هو قاعدة متفق عليها هي وجوب التوجه إلى القبلة للمصلي –مثلا-. ولكن القبلة في مكان فلاني و في هذا وفي ذاك هي في جهة كذا وكذا وكذا, هذا ما يقوم به المجتهد في بيانه
أما الثاني فهو من القياس, إذ أنه لايستغني عن الأركان. فمثلا في مسألة هل الفارة نجس أم لا؟. فهذه المسألة هي الفرع, نريد معرفة حكمها لأنها غير منصوصة. فبحثنا ما يماثل المسألة مما ورد فيه النص. فوجدنا بيانا من النبي صلى الله عليه وسلم في أن الهرة حيوان طاهر, والعلة ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم كونها من الطوافين عليكم والطوافات. فيمكن بهذه العلة إلحاق حكم الفارة بالهرة والجامع هو التطويف. إذن, فهذا الثاني يحتاج إلى الأصل وحكم الأصل والفرع والعلة, فهو –بهذا- قياس.
الضرب الثاني تنقيح المناط
وهو أن يضيف الشارع الحكم إلى سببه فتقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة فيجب حذفها عن الاعتبار ليتسع الحكم. ومثاله قوله للأعرابي الذي قال هلكت يا رسول الله قال ما صنعت قال وقعت على أهلي في نهار رمضان قال اعتق رقبة. فاجتمعت فيها الأوصاف يمكن نصب أحدها علة للحكم, وهذه الأوصاف هي:
1) كونه أعرابيا[4]
2) وقاع مكلف في نهار رمضان[5]
3) كون الموطوءة منكوحة[6]
4) كون الوقاع في نهار رمضان آلة لإفساد الصوم
ولكن أي هذه الأوصاف هي علة صحيحة للحكم ؟
فترجيح وصف من هذه الأوصاف علة للحكم هو ما يسمى بتقنيح المناط.
هذا, وقد يكون في الترجيح خلاف. فمثلا في مسألتنا نحن الآن. من العلماء من يقول إن العلة في وجوب الكفارة بالنسبة لمن وقع على أهله نهار رمضان هي كون الوقاع آلة لإفساد الصوم. وهذه العلة يمكن أن يعترض عليها شخص ويقول إن السيف آلة للقتل لكنها ليست علة في إيجاب القصاص. فكما أن السيف آلة للقتل الموجب للقصاص وليس هو من المناط كذا ههنا. وبناء عليه, لا يصح قياس الأكل والشرب نهار الصوم على من واقع على أهله. والفارق بينهما أن الجماع مما لا تنزجر النفس عنه عند هيجان الشهوة بمجرد وازع الدين فيحتاج إلى كفارة وازعة بخلاف الأكل والشرب. لذا فإن الأدلة قد وردت في إثبات الكفارة على من يقع على أهله وهو صائم, بخلاف الأكل والشرب فإنه قد ورد من قول ابن مسعود وأبي هريرة رضي الله عنهما \” مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ ثُمَّ قَضَى طَوَالَ الدَّهْرِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ[7] \”. وورد –كذلك- حديث ابي هريرة رضي الله عنه للمواطئ؛ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ هَلَكْتُ قَالَ وَمَا أَهْلَكَكَ قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتِقْ رَقَبَةً قَالَ لَا أَجِدُ قَالَ صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا أُطِيقُ قَالَ أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لَا أَجِدُ قَالَ اجْلِسْ فَجَلَسَ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أُتِيَ بِمِكْتَلٍ يُدْعَى الْعَرَقَ فَقَالَ اذْهَبْ فَتَصَدَّقْ بِهِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا قَالَ فَانْطَلِقْ فَأَطْعِمْهُ عِيَالَكَ. و في رواية عَنْه –أيضا- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زيادة ؛ \”وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ\”. فالواجب إذن على الواطئ الكفارة والقضاء وأما الآكل والشارب عمدا فعليه الإستغفار والإكثار من الحسنات والتوبة عسى الله أن يوفقه ويتوب عليه, فاكتفى بالوازع الديني في الآكل والشارب عمدا ولم يكتف به في الأولى.
فالخلاصة أن تنقيح المناط هو الإجتهاد في ترجيح أحد أوصاف الحكم يمكن نصبه علة صحيحة لذلك الحكم الشرعي. وهذا, قد أقر به أكثر منكري القياس وأجراه أبو حنيفة في الكفارات مع أنه لا قياس فيها عنده.
الضرب الثالث تخريج المناط
وهو أن ينص الشارع على حكم في محل ولا يتعرض لمناطه أصلا كتحريمه شرب الخمر والربا في البر فيستنبط المناط بالرأي والنظر فيقول حرم الخمر لكونه مسكرا فيقيس عليه النبيذ وحرم الربا في البر لكونه مكيل جنس فيقيس عليه الأرز. وهذا هو الاجتهاد القياسي الذي وقع الخلاف فيه.
أدلة من أنكر القياس
الجمهور كما تقدم أثبتوا جواز التعبد بالقياس شرعا وعقلا. أما الشرع فقد تقدم. وأما العقل فإن الحوادث تزداد بمرور الزمان ولا تنتهي و تعميم الحكم عليها واحدا واحدا شيئ لا بد منه. فلو لم يستعمل القياس أفضى ذلك إلى خلو كثير من الحوادث عن الأحكام لقلة النصوص وكون الصور لا نهاية لها, فالقياس إذن ضرورة.
وقد ذهب الشيعة والنظام إلى أنه لا يجوز التعبد به عقلا ولا شرعا. وقالت طائفة لا حكم للعقل فيه بإحالة ولا إيجاب لكنه في مظنة الجواز عقلا وهو محرم شرعا وهم الظاهرية. ومما استدلوا به هو:
- 1. ما نقل عن الصحابة في ذم الرأي وأهله. فقال عمر رضي الله عنه \”إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها, فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا.\”. وقال علي رضي الله عنه \”لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه.\”. وقال ابن مسعود رضي الله عنه \”قراؤكم وصلحاؤكم يذهبون. ويتخذ الناس رؤساء جهالا فيقيسون مالم يكن بما كان.\”. وقوله \”إن حكمتم الرأي أحللتم كثيرا مما حرمه الله عليكم وحرمتم كثيرا مما أحله.\”. وقول ابن عباس \”إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم برأيه وقال لنبيه لتحكم بين الناس بما أراك الله ولم يقل بما رأيت.\”. وقوله \”إياكم والمقاييس فما عبدت الشمس إلا بالمقاييس.\”. وقال ابن عمر \”ذروني من أرأيت وأرأيت.\”.
والجواب على هذا:
أولا: هذه الأقوال كلها متوجه إلى من استعمل الرأي والقياس في غير موضعه أو بدون شرطه فذم عمر رضي الله عنه ينصرف إلى من قال بالرأي من غير معرفة للنص. لذا فإنه قال \”أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها\”. وإنما يحكم بالرأي في حادثة لا نص فيها. فالذم على ترك الترتيب لا على أصل القول بالرأي. فكل ذم يتوجه إلى أهل الرأي فلتركهم الحكم بالنص الذي هو أولى كما قال بعض العلماء:
… أهل الكلام وأهل الرأي قد جهلوا
… علم الحديث الذي ينجو به الرجل
… لو أنهم عرفوا الآثار ما انحرفوا
… عنها إلى غيرها لكنهم جهلوا
الثاني : إن لذم موجه إلى الرأي الصادر عن الجاهل الذي ليس أهلا للاجتهاد والرأي ويرجع إلى محض الاستحسان ووضع الشرع بالرأي. ودليل ذلك أن الذين نقل عنهم هذا هم الذين نقل عنهم القول بالرأي والاجتهاد. ومن ذلك كتاب عمر – رضي الله عنه – إلى أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه -، وفيه: \”اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور\”. ولما بَعَثَ عمر – رضي الله عنه – شريحًا على قضاء الكوفة قال له: انظر ما تبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدًا، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وما لم يتبين لك في السنة فاجتهد رأيك. وقال عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه -: \”من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فليقضِ بما قضى فيه نبيه – صلى الله عليه وسلم – فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقض فيه نبيه – صلى الله عليه وسلم – فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقضِ به نبيه ولم يقضِ به الصالحون، فليجتهد رأيه. وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا سئل عن شيء فإن كان في كتاب الله قال به، فإن لم يكن في كتاب الله وكان عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال به، فإن لم يكن في كتاب الله ولا عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكان عن أبي بكر وعمر قال به، فإن لم يكن في كتاب الله ولا عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا عن أبي بكر وعمر اجتهد رأيه. قال ابن تيمية: \”وهذه الآثار ثابتة عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وهم من أشهر الصحابة بالفتيا والقضاء\”. \”مجموع الفتاوى\” (19/201).[8]
ثالثا : القائلون بإبطال القياس وقعوا في التعارض في بعض الأحيان حيث قال الظاهرية في إبطال القياس الأصول لا تثبت قياسا فكذلك الفروع. فهذا تناقض منهم إذ بإمكاننا نقول إن بطل القياس فليبطل قياسهم فلا حجة فيه.
- 2. قوله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله والقياس حكم بغير المنزل وهكذا قوله فردوه إلى الله والرسول وأنتم تردونه إلى الرأي.
الجواب عن هذا:
أولا: إن القرآن قد دل على ثبوت التعبد بالقياس كما أوردنا سابقا وكذا السنة والإجماع. أما من أبطل القياس فأنى له ذلك وليس في القرآن تحريمه.
ثانيا: مثبتوا القياس إنما حكموا بمقتضى العلة المستنبطة من الكتاب والسنة. ومن حكم بمقتضى شيء فقد حكم به.
ثالثا: قوله تعالى فردوه إلى الله والرسول قلنا نحن لا نرده إلا إلى العلة المستنبطة من كتاب الله تعالى ونص رسوله فالقياس عبارة عن تفهم معاني النصوص بتجريد مناط الحكم وحذف ما لا أثر له في الحكم. أما منكروا القياس فقد ردوا القياس بلا نص ولا معنى نص.
- 3. براءة الذمة بالأصل معلومة قطعا فكيف ترفع بالقياس المظنون.
قلنا نعدل عنها إلى القياس المظنون –كما تقولون- كما تعدلون أنتم عنها إلى الظواهر والعموم وخبر الواحد وتحقيق المناط في آحاد الصور.
- 4. كيف يتصرف بالقياس في شرع الأصل فيه التحكم والتعبد والفرق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات, إذ قال يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام –مع كونهما بولا-, وقال يجب الغسل من المني والحيض دون المذي والبول, ونظائر ذلك كثيرة.
قلنا نحن لا ننكر التعبدات في الشرع. لذا, قسمنا الأحكام إلى ثلاثة:
v قسم لا يعلل
v وقسم يعلم كونه معللا كالحجر على الصبي لضعف عقله
v وقسم يتردد بين كونه معللا أم لا, مثل مسألة غسل اليد عند الاستيقاظ.
ونحن لا نقيس مالم يقم دليل على كون الحكم فيه معللا. وإنما القياس في المعلل من المسائل.
- 5. غاية العلة أن يكون منصوصا عليها وذلك لا يوجب الإلحاق كما لو قال أعتقت من عبيدي سالما لأنه أسود لم يقتض عتق كل أسود ولا يجري ذلك مجرى قوله أعتقت كل أسود كذا قوله حرمت الربا في البر لأنه مطعوم لا يجري مجرى قوله حرمت الربا في كل مطعوم.
قلنا إن هذا حجة عليك إذ وقعت مرة ثانية فيما أنكرته حيث قست كلام الشارع على كلام الناس وهو قياس مع الفارق. فماذا تقول بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم, هل هو كلام أم مجرد السكوت؟. ولو أن إنسانا باع مال غيره بأضعاف قيمته وهو حاضر ولم ينكر ولم يأذن بل ظهرت عليه علامات الفرح, هل يصح البيع بناء على سكوته أم لايصح البيع؟. فسكوت الشرع دليل وسكوت الإنسان ليس بدليل فظهر الفرق بينهما.
ثم إن القياس مفهوم في اللغة فإنه لو قال لا تأكل طعاما فلاني لأنه مسهل ولا تجالس فلانا فإنه مبتدع فهم منه التعدي بتعدي العلة وهذا مقتضى اللغة وكذا مسألة العتق إلا إن نفاذ العتق باللفظ المذكور فيه احتمال فيفتقر إلى النية مثل مالو قال شخص لأهله فسخت النكاح ورفعت علاقة الحل بيننا لم يقع الطلاق إلا أن ينويه لوجود الإحتمال.
[1] القياس يتعدى بـ ألباء مثل قول فلان ؛ يقاس بالبول في الماء الراكد صبه فيه, إذ قد ورد النهي عن البول في الماء الراكد فكذلك صبه فيه. ويتعدى كذلك بـ على وهو أكثر استعمالا, ومنه قول شخص؛ النبيذ يقاس على الخمر أي يحمل عليه في الحكم.
[2] الميل هو آلة يُسبَر بها الجُرحُ
[3] بيع العرايا في الشرع: هو بيع رطب في رؤوس نخلة بتمر كيلا. (القاموس الفقهي – (1 / 250))
[4] هذه العلة –لاشك- ليست صحيحة إذ أن التكاليف الشرعية تعم الأشخاص فيلحق به التركي والعجمي.
[5] هذه العلة أيضا لست صحيحة إذ أن التكاليف كما أنه تعم الأشخاص فكذا الوقت, فيلحق به من أفطر نهار رمضان أو غيره.
[6] كون الموطوءة منكوحة أو غيرها لا أثر له أيضا في استنباط الحكم إذ أن الزنا أشد في هتك هذه الحرمة
[7] تحفة الأحوذي, (3/341)
[8] انظر هامش لـ \”معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة\”, (1/ 186)